الشيخ محمد رشيد رضا
10
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بين اللّه تعالى في السياق الذي قبل هذا أن الذين اقترحوا على رسوله الآيات الكونية وأقسموا بأنهم يؤمنون بها إذا جاءتهم كاذبون في دعواهم وأيمانهم كما ثبت فيما مضت به سنة اللّه في أمثالهم من أعداء الرسل المعاندين وهم شياطين الانس والجن الذين يغرون الجاهلين بزخرف أقوالهم فيصرفونهم بها عن الحق ويزينون لهم الباطل فتميل اليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ويرضونه لموافقته لأهوائهم فيحملهم على اقتراف السيئات وارتكاب المنكرات . ثم قفى عليه بهاتين الآيتين المبينتين لآية اللّه الكبرى التي هي أقوى دلالة على رسالة نبيه من جميع ما اقترحوا ومما لم يقترحوا من الآيات الكونية ، وهي الآن الحكيم ، وكون منزلها هو الذي يجب الرجوع اليه في الحكم في أمر الرسالة وغيره واتباع حكمه فيها دون شياطين الانس والجن المبطلين المضلين فقال آمرا لرسوله أن يقول لهم : * * * ( أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ) الحكم ( بفتحين كالجبل ) هو من يتحاكم الناس إليه باختيارهم ويرضون بحكمه وينفذونه ، أي أأطلب حكما غير اللّه تعالى يحكم بيني وبينكم في هذا الامر وغيره ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا ) أي والحال انه هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا فيه كل ما يصح به الحكم - فانزاله مشتملا على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرها على لسان رجل منكم أمي مثلكم هو أكبر دليل وأوضح آية على أنه من عند اللّه تعالى لا من عنده هو كما قال بأمر اللّه في آية أخرى ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ ) جاوز الأربعين من السنين ولم يصدر عني فيه شيء من مثله في علومه ولا في اخباره بالغيب ولا في أسلوبه ولا في فصاحته وبلاغته ( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) * أن مثل هذا لا يكون إلا بوحي من العليم الحكيم ؟ ثم إن ما فصل فيه من سنن اللّه تعالى في طباع البشر وأخلاقهم وارتباط أعمالهم بما است في أنفسهم من الآراء والافكار والاخلاق والعادات الموضح بقصص من قبلنا من الأمم برهان علمي على صحة ما حكم به في طلبكم الآية الكونية وزعمكم أنكم تؤمنون بها ، وقد تقدم توجيهه في تفسير السياق الأخير في طلبها وفي أمثاله ، كما تقدم بيان كون الآن أدل على صحة الرسالة وصدق الرسول من جميع الآيات التي جاء بها الرسل عليهم السّلام ، وهو في مواضع من التفسير والمنار ومن أبها ما جاء في تفسير الآية 37 من